البيان الذي سبق الفجر… حين نطقت الثورة قبل انفجارها
في حضرة نوفمبر، تصمت الكلمات إجلالًا وتتكلم الذاكرة. ففي كل عام، ونحن نحيي ذكرى الثورة المجيدة، تطالعنا أسرار جديدة من رحم التاريخ، كأن الجزائر لا تزال تروي للعالم كيف وُلدت الحرية من رحم المستحيل.
وفي هذا السياق، يفتح الوزير السابق محي الدين عميمور نافذة جديدة على حدثٍ ظلّ في الظل، وهو بيان 30 أكتوبر 1954، الذي سبق تفجير الثورة بيومين فقط، وكان كما يصفه البيان الذي نطق قبل الفجر، فأشعل في القلوب وهج النهوض.
نصٌ عبقريّ سبق زمنه
يقول عميمور إن هذا البيان، الذي عثر عليه في وثائق المركز الوطني للمجاهدين، كان تحفة بلاغية وفكرية نادرة، جسّد بعبقرية أسلوبية وعيًا إعلاميًا متقدمًا لدى مفجّري الثورة.
فقد جمع النص بين ثلاث طرائق في المخاطبة: خطاب المفرد الذي يخاطب الجزائري كفردٍ مسؤول عن مصير وطنه، وخطاب الجمع الذي يوحّد الشعب في كتلة واحدة مع أشقائه في تونس والمغرب، ثم أسلوب المتكلم الجمع الذي يعمّق الإحساس بالرفقة والوحدة بين القادة والشعب، فلا زعامة ولا تفرّد، بل مصير مشترك وكفاح واحد.
إعلام الثورة… وعي قبل الرصاصة
لم يكن البيان مجرد إعلان، بل كان عملاً إعلاميًا مدروسًا، هدفه الأول كسب تعاطف الشعب الجزائري بوصفه المعني الأول بالثورة، ثم توسيع دائرة التأييد عربيًا وإسلاميًا ودوليًا.
كما قدّم البيان الثورة بوصفها امتدادًا طبيعيًا للنضال الوطني، مع نقدٍ ذاتي نبيل لما عرفته الحركة الوطنية من صراعات، دون أن يتورط في الانحياز لأي طرف، ليبقى جامعًا لا مفرّقًا.
أما ذروة الذكاء الإعلامي فتجلّت كما يشير عميمور في الفقرة التي أكدت احترام “المصالح الفرنسية المكتسبة بنزاهة”، بلغة مزدوجة عربية وفرنسية. فقد كان ذلك تكتيكًا ذكيًا لنزع ذرائع الاستعمار في الساحة الدولية، ولإظهار الثورة بمظهرٍ حضاريٍّ ناضج، يعرف متى يقاتل ومتى يُحاور.
لماذا التعتيم؟
يتساءل عميمور: لماذا تمّ التعتيم على هذا البيان؟
هل لأنّه كُتب بالعربية؟ أم لأن ظروف التوزيع والإرسال لم تسمح بوصوله إلى إذاعة “صوت العرب”؟
أم أن التاريخ السياسي اللاحق فضّل الاحتفاظ بصورةٍ واحدة عن البدايات؟
مهما يكن الجواب، فإن هذا البيان، برؤيته اللغوية والسياسية، يستكمل صورة أول نوفمبر، ولا ينافسه، بل يضيء جوانب مغيّبة من عبقرية الثورة الجزائرية في إدارة خطابها الإعلامي والسياسي.

خاتمة تبقى في الذاكرة
بعد واحد وسبعين عامًا، ما زالت الجزائر تكتشف في أرشيفها براهين جديدة على أن ثورتها كانت فكرًا قبل أن تكون بندقية، وكلمةً قبل أن تكون نارًا.
بيان 30 أكتوبر 1954 ليس مجرد نص منسيّ، بل هو النبضة الأولى لصوتٍ سيهزّ العالم بعد يومين، وهو الدليل على أن الإعلام الثوري كان عقل الثورة ولسانها، وأن الوعي بالرسالة سبق الرصاصة.
وفي ذكرى نوفمبر المجيدة، حين نستعيد كلمات البيان: «أيها الجزائري، إن جبهة التحرير هي جبهتك وانتصارها هو انتصارك»، ندرك أن الرسالة لم تنتهِ بعد…
فالحرية تُصان كما وُلدت: بكلمة صادقة، وإيمانٍ لا يموت.
بقلم: أمينة شارف
Share this content:



إرسال التعليق