هواري بومدين..سيرة قائد وإرث وطن في ذاكرة الجزائر
تحلّ ذكرى وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين، فتستعيد الجزائر إحدى أبرز الشخصيات التي شكّلت ملامح الدولة الوطنية بعد الاستقلال. فبومدين لم يكن اسمًا عابرًا في صفحات التاريخ، بل تجربة سياسية متكاملة ارتبطت بمرحلة مفصلية سعت فيها البلاد إلى ترسيخ سيادتها وبناء مؤسساتها في سياق داخلي وإقليمي ودولي بالغ التعقيد.
ومع كل ذكرى لرحيله، يتجدّد حضوره في الذاكرة الجماعية، لا بوصفه رئيسًا سابقًا فحسب، بل باعتباره رمزًا لمشروع وطني قام على مركزية الدولة، واستقلال القرار، والرهان على الإنسان كقاعدة أساسية للتنمية. فقد رحل جسده في ديسمبر 1978، غير أن إرثه ظل حاضرًا في الوجدان الجزائري، مثيرًا للنقاش والتأمل في آن واحد.
من الريف إلى مشروع التحرير
وُلد محمد إبراهيم بوخروبة، المعروف باسم هواري بومدين، في 23 أوت 1932 بدوار بني عدي، قرب مدينة قالمة، في عائلة فلاحية بسيطة. نشأ في بيئة ريفية كرّست فيه قيم الكدح والاعتماد على النفس، فحفظ القرآن في الكتّاب، وتلقى تعليمه الأول في المدارس الحرة، قبل أن يشدّ الرحال إلى تونس للالتحاق بجامع الزيتونة، ثم إلى القاهرة حيث واصل دراسته بالأزهر الشريف.
لم تكن رحلته العلمية منفصلة عن وعيه السياسي المبكر، إذ رأى في المعرفة أداة للتحرر، وفي التعليم سلاحًا في مواجهة الاستعمار. ومنذ شبابه، تبلور لديه هاجس واحد: أن تكون الجزائر وطنًا حرًا، وأن ينعم أبناؤها بالأمن والكرامة فوق أرضهم.
من ثائر إلى رجل دولة
مع اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، التحق بومدين بصفوف جيش التحرير الوطني، وتلقى تكوينه العسكري في مصر، قبل أن يتدرج في المسؤوليات ليُعيَّن قائدًا لأركان الجيش عام 1958، وهو في سن مبكرة، ما عكس ثقة قيادة الثورة في قدراته التنظيمية والعسكرية.
وبعد الاستقلال، شغل منصب وزير الدفاع، ثم قاد البلاد سنة 1965 عبر مجلس التصحيح الثوري، في مرحلة اتسمت بالسعي إلى إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وحماية مكاسب الثورة. وخلال سنوات حكمه، عمل على ترسيخ سلطة الدولة المركزية، وربط الشرعية السياسية بالفعل التنموي والخيارات السيادية.
بناء الدولة والسيادة الاقتصادية
آمن هواري بومدين بأن قوة الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالإنسان والأرض والمؤسسات. فأطلق الثورة الزراعية تحت شعار «الأرض لمن يزرعها»، ساعيًا إلى تفكيك البنى الإقطاعية وتقليص الفوارق الاجتماعية، خاصة في الأرياف والمناطق المهمشة.
وفي 24 فيفري 1971، اتخذ قراره التاريخي بتأميم المحروقات، مستعيدًا للجزائر سيادتها الكاملة على ثرواتها الطبيعية، ومؤسسًا لمرحلة جديدة في الاقتصاد الوطني. وقد شكّلت عائدات النفط آنذاك رافعة لتمويل مشاريع صناعية كبرى، وتوسيع قطاعي التعليم والصحة، وترسيخ صورة الدولة القوية القادرة على فرض خياراتها.
حضور دولي وصوت للجنوب
لم يقتصر دور بومدين على الشأن الداخلي، بل برز كأحد أبرز قادة العالم الثالث خلال سبعينيات القرن الماضي. فقد جعل من الجزائر فاعلًا مؤثرًا في القضايا الدولية، فاحتضنت البلاد في عهده قمة حركة عدم الانحياز عام 1974، وقمة منظمة أوبك عام 1975، مؤكدة موقعها كقوة دبلوماسية صاعدة.
ودافع بومدين بقوة عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وساند حركات التحرر في إفريقيا وآسيا، كما ظلّ من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية. وكان خطابه في المحافل الدولية واضحًا في التأكيد على أن ثروات الجنوب حق لأصحابها، وأن النظام الدولي القائم آنذاك يحتاج إلى مراجعة أكثر عدلاً وتوازنًا.
الرحيل وإرث المرحلة
في 27 ديسمبر 1978، توفي هواري بومدين عن عمر ناهز 46 عامًا، تاركًا وراءه فراغًا سياسيًا كبيرًا، وأسئلة عميقة حول مستقبل المشروع الذي قاده. ولم تكن جنازته وداعًا لرئيس دولة فحسب، بل لحظة وداع لمرحلة كاملة آمنت بإمكانية تحويل الثورة إلى دولة قوية ذات سيادة.
واليوم، لا يُستحضر اسم بومدين من باب الحنين، بل باعتباره تجربة سياسية تستحق القراءة والتقييم. فمهما اختلفت الآراء حول أسلوب حكمه أو خياراته، يبقى ثابتًا أنه شكّل أحد أعمدة الدولة الجزائرية الحديثة، وربط الحكم بفكرة المسؤولية التاريخية.
فالزعماء يرحلون، لكن الدول تبقى، وتُقاس قوة الأوطان بقدرتها على صون ذاكرتها، واستخلاص الدروس من تاريخها، وبالجرأة على صناعة مستقبلها على أسس واضحة ورؤية واعية.
بقلم : أمينة شارف
Share this content:



إرسال التعليق